بُني..
ضع قدميك في المكان الذي يُثمر، ولا تنقر بأصابعك على طاولتك، وعيناك تُبصران شيئًا، أراه باتجاه الأعلى من الجدار. أنصت إلى نبضات قلبك، حين تهمس: شُدَّ خُطاك إلى حيث العشب، وابتعد عن جرداء الذات. إن ما يبدأ صغيرًا اليوم. فإنه مع الاستمرار، سينمو. الأهم أن تستمر، وستصل. فالناجحون ليسوا أكثر ذكاء من سواهم، لكنهم يُتقنون المهارات، ويملكون العزم والمثابرة، ويُحوّلون الخسارة إلى دافع للنجاح، لا يركنون إلى الكسل والتبلد. وهذا ما ينبغي أن تتعلمه، وأن تجعله ركيزة أساسية في طريقك. فلا نجاح يأتي بلا ألم، بلا مُعاناة، بلا جُهد مُضنٍ. إنها حقيقة ليست جدلية، هي الواقع ذاته.
من الهواجس التي تُصيب الإنسان، أن يبقى عمله في طيّ الانتظار، حتى تتراكم عليه الأعمال. فيغدو أسير القلق والتردد. لا أعلم لماذا تعود إلى ذاكرتي بين الفترة والأخرى عبارة قالها صاحبي بجلسة معه في إحدى المقاهي في المنطقة، ودار حديثنا حول تأليف الكتب، والرؤية الواضحة للكاتب. -لا أخفي عليك-، كُنت أهفو إلى معرفة وجهة نظره في هذا الجانب؛ لأستفيد منها فيما أكتبه. حدثني صاحبي٫ وقال: لو كتبت كل يوم سطرًا؛ ثم أغمضت عينيك، عقارب الساعة في حركتها، تمضي الأيام، وستجد بأنك قد أنهيت كتابًا، ينتظر الطباعة والنشر.
بُني..
ثمَّة فارق بين الصبر على المنجز، وبين الكسل والتبلد. فالصبر لا يعني الكسل والتبلد، بقدر أنه يعني التريث المتأمل، في حين يعني الكسل والتبلد، الخمول والتقاعس عن أداء المهام. إن هذا الأمر يحتاج الى السعي الحثيث؛ للتمتع بالثقافة عنه، ثم تحدث صاحبي عن الكتابة في إشارة لما نحن نهتم به، وافترض أني أريد كتابة قصة ما، فنصحني بالقراءة عن الفكرة التي أريد نسجها في قالب قصصي، وأشار بأنه قد تستدعي الكتابة مني قراءة أكثر من موضوع، أو أكثر من كتاب في ذات الفكرة؛ لتتكوّن لدي رُؤية أعمق. إن تجارب الآخرين، خبراتهم، ثقافتهم كنز لا يقدّر بثمن.
ماذا يعني ذلك بُني؟
إن المعنى الذي أريد ايصاله إليك، أن الإنسان إذا أراد القيام بأمر ما، فعليه أن يُثقّف نفسه فيه قبل الإتيان به. لذا أعطيتك مثالًا عن الكتابة؛ لإيصال أمرين مهمين إليك، أولًا: أن تُثقّف نفسك في كل أمر تُريد العمل فيه، وتشتغل عليه بمعرفة مُسبقة، ثانيًا: أن تتحلى بالصبر على ما تعمل، مُبتعدًا عن الكسل والتبلد، وهذا ما أستطيع توصيفه بـ"الصبر الواعي المتأمل". فإذا أدرت طرفك في الحياة، وتأملت ما حولك؛ لأبصرت أناسًا كانوا في بداية طريقهم، كانت خُطواتهم الأولى صغيرة، ونتاجهم قليل -إن وجد-، ولكنهم مع الصبر، والعمل استطاعوا أن يصلوا إلى أماكن تشهد لهم بالصبر والمثابرة. وهذا نتيجة إلى ما قاموا به، وتحملوه من التعب والألم، فإنهم أدركوا أن النجاح لا يأتي بالأمنيات فقط، ولكن تصنعه الإرادة، وتبنيه.
هذه حقيقة. فإذا أدركتها بلغت مرحلة من الوعي، تعمل داخلك، كمنبه، يُرشدك كلما ضعفت قواك، أو ترهلت رُوحك، وضاقت بك أنفاسك؛ لتعيد تأثيثها تحت مصباح العزيمة والإرادة. يقول الشاعر ابن الرومي: لا تحسبن المجد تمرًا أنت آكله.. لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
تعلم بُني..
أن لكل شيء في الحياة ثقافة، ينبغي عليك ليس فقط معرفتها، وإنما الشغف بها.



